القاضي عبد الجبار الهمذاني

517

شرح الأصول الخمسة

وربما يستدلون بتقديم النبي صلى اللّه عليه وسلّم إياه في الصلاة ، وذلك أيضا فمن البعيد ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قدم كثيرا من الصحابة للصلاة ولم يدل على إمامتهم . وبعد ، فإن الإمامة في الصلاة بمعزل عن القيام بالإمامة الكبرى والقيام بأمر الأمة ، ولهذا يصلح لأحدهما العبد دون الآخر ، فكيف قاسوا أحد الأمرين على الآخر ، وما وجه الشبه بينهما . وأما المعتزلة ، فقد ذهبت إلى أن طريق الإمامة العقد والاختيار ، ورامت تصحيح ذلك بوجوه تقدم بعضها وهذا باقيها : قالوا : طريق الإمام بالاتفاق إما العقد والاختيار ، أو النص ، وقد بطل النص فلم يبق إلا العقد والاختيار . قالوا : والذي يدل على أنه لا نص ، هو أنه لو كان كذلك لكان لا يخلو : إما أن يكون نصا جليا أو خفيا . لا يجوز أن يكون نصا جليا ، لأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يكون الراد كافرا لرده ما هو معلوم ضرورة من دين النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وفي ذلك تكفير الصحابة على فحش القول به ، ولكان لا يجوز أن يخفى الحال فيه لأن هذا هو الواجب فيما علم ضرورة ، لولا ذلك وإلا كان يجوز أن يكون اللّه تعالى قد تعبدنا بصلاة سادسة وبحج إلى غير بيته الحرام إلا أنه خفي على الناس أمره ولم يظهر ، وذلك شنع بمرة . فبطل النص الجلي . وأما النص الخفي فإنه كان يجب أن لا يذهب الصحابة بأسرهم عن الغرض به ، فقد كانوا في غاية المعرفة بالمقاصد وما يجري هذا المجرى ، وفي علمنا بأنهم لم يعرفوا هناك نصا ولا أقروا به دليل على أنه لم يكن له أصل ، وبعد ، فلو كان هناك نص لأورده المنصوص عليه واستدل به على إمامته ، والمعلوم أنه لم يورده ولم يحتج به وفي ذلك دلالة على أن ذلك لم يكن . والجواب أنكم ألزمتم الإمامية ما يلتزموه فلا معنى له . وأما النص الخفي على ما نقوله فإنه ليس يجب أن يعرفه كل أحد ، فإن ذلك إنما يجب فيما العلم به ضروري ، ولسنا ندعي أن الصحابة اضطرت إلى قصد النبي بذلك . فإن قالوا : فلم ذهبوا عن الغرض به ولم يعرفه أحد ؟ قلنا : لأنهم لم ينظروا فيه أو حملوه على وجه آخر غير الإمامة ، وعلى أنا لا نسلم أن الصحابة بأسرهم ذهبوا عن الغرض به ، فمعلوم أن أصحاب علي عليه السلام كانوا يعرفون ذلك ، وكذلك فكان عليّ يدعيه ويعتقده ، فكيف صح لهم ما قالوه ؟